أكد الدكتور هاني تمام، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف، أن من أكبر الإشكاليات الشائعة في فهم الفتوى والحكم الشرعي اعتقاد بعض الناس أن الأحكام تنحصر فقط في «حلال» و«حرام»، موضحًا أن هذا تصور قاصر ومخل بالمنهج الفقهي الصحيح، لأن الأحكام الشرعية أوسع من ذلك وتشمل الواجب والمندوب والمباح والمستحب والمكروه، فضلًا عن الحرام، مشيرًا إلى أن حتى الحلال نفسه قد يتنوع، وكذلك الحرام قد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
وأوضح أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، خلال حلقة برنامج “مع الناس”، المذاع على قناة الناس، اليوم الاثنين، أن الأحكام قد تكون ثابتة على مستوى الأمة، لكنها تختلف عند تنزيلها على الأفراد، مستشهدًا بفرضية الصيام التي هي واجبة على الأمة ككل، لكنها قد تكون محرمة في حق المريض، أو المرأة الحائض أو النفساء، رغم أن الصيام في ذاته عبادة عظيمة وثوابها كبير، إلا أن الشريعة حرمتها في هذه الحالات الخاصة مراعاةً للواقع والقدرة، وهو ما يؤكد أن الحكم الشرعي لا يُفهم بمعزل عن حال المكلف.
وأشار إلى أن الزواج مثال واضح لتغير الأحكام بتغير الأشخاص، موضحًا أن الزواج في أصله حلال ومشروع لحفظ المجتمع والتمييز بين الحلال والحرام، لكنه قد تعتريه الأحكام الخمسة، فقد يكون حرامًا في حق شخص بعينه إذا ثبت أنه غير مؤهل لتحمل المسؤولية، أو سيترتب على زواجه ظلم مؤكد للطرف الآخر، مؤكدًا أن تحريم الزواج في هذه الحالة ليس تحريمًا للأصل، وإنما تحريم للحلال في حق هذا الشخص بعينه دفعًا للظلم والفساد.
وشدد الدكتور هاني تمام على أن إصدار مثل هذه الأحكام لا يكون إلا من خلال المتخصصين القادرين على فهم الواقع وتحليل الحيثيات، لافتًا إلى أنه لا يصح أن يُقال لشخص معروف بسوء الخلق وعدم المسؤولية «تزوج وربنا يهديك»، مع العلم اليقيني بأن هذا الزواج سيؤدي إلى معاناة وظلم ومشكلات مؤكدة، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وأكد أن الفقيه الحقيقي هو من يمتلك أدوات الفقه وقواعده الكلية، مثل قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» و«الضرر يزال» و«درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، موضحًا أن هذه القواعد هي التي تضبط عملية الإفتاء، وتُعين الفقيه على الترجيح بين المصالح والمفاسد في ضوء الواقع، كما هو الحال في كثير من المسائل التطبيقية التي تتطلب رؤية فقهية واعية لا تقتصر على النص المجرد.
وأشار أستاذ الفقه بجامعة الأزهر إلى أن الفتوى ليست مجرد نقل حكم، بل هي «صناعة» قائمة على فهم النص وفهم الواقع معًا، مؤكدًا أن المفتي لا بد أن يكون ملمًا بأصول الفقه والمنطق وقواعد اللغة العربية وعلوم التفسير والحديث والنحو والصرف، وهي المنظومة العلمية المتكاملة التي تميز المنهج الأزهري، والتي تبدأ مع الطالب منذ المراحل الأولى للتعليم الأزهري.
وأكد الدكتور هاني تمام أن الأزهر الشريف هو الحارس الأمين لمنهج النبوة، مستشهدًا بقول الإمام الدكتور عبد الحليم محمود إن الكعبة قبلة المصلين، والأزهر كعبة العلم في العالم، مشددًا على أن الخوف على الإسلام مفقود ما دام الأزهر قائمًا بمنهجه الوسطي المنضبط، وأن الاعتزاز بالانتماء للأزهر حق مشروع.











