بداية، لابد من التأكيد على أن الحديث هنا لا يتطرق إلى النقاش الجدلى الدائر حول الانتصار إلى قضايا المرأة أو الشعارات الفرضية المتمثلة فى الحديث عن مدى تحقيق المساواة بين الجنسين أو غيرها، وإنما الحديث هنا يتعلق بواقع فعلى قوامه أن المرأة شريك اساسى فى عملية التنمية، فهى نصف المورد البشرى على كوكب الارض ونصف المساهمين فى التنمية بسائر قطاعتها، ونصف المستفيدين منها.
فلا يصح الحديث عن تحقيق نمو أو رخاء اقتصادى دون أن تكون أغلب الاسر منتجة خاصة فى الدول النامية، وهو ما يستلزم معه استغلال كافة الموارد المتاحة وبخاصة العنصر البشرى، فالمشاركة الاقتصادية للمرأة تعد من أهم روافد عملية التنمية، فلا سبيل إلى إحداث طفرة اقتصادية دون استغلال الطاقات الهائلة للمرأة وقوة تأثيرها سواء داخل الاسرة أو خارجها،وهو ما يستلزم إتاحة الفرصة والتشجيع على اقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو العمل من المنزل، حيث يرى كثير من الاقتصاديين أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل الركيزة الأساسية للتنمية الاقتصادية لأي دولة سواء متقدمة أو نامية، وهو الامر الذى تفطنت إليه الدول التى تسعى إلى إحداث طفرة فى ناتجها المحلى، حيث قامت بوضع رؤى شاملة بشأن تمكين المرأة وتدريبها من اجل استغلالها كمورد بشرى يحفز النمو الاقتصادى ويخلق مجتمعات اكثر استقرارا.
وفى هذا الاطار، ينبغى النظر إلى المرأة من زاويتين: الزاوية الاولى وهى القوة العددية للمرأة، حيث تمثل نسبة النساء حول العالم فى عام 2024 وفقا لمؤشر كانترى العالمى (https://countrymeters.info) نسبة 49.5% بالنسبة لعدد الذكور حول العالم وهو الامر الذى يشكل قوة عددية لا ينبغى الاستهانة بها، أما الزاوية الثانية، فهى تتمثل فى حاجة المجتمعات إلى الطاقة الانثوية الناعمة التى تحث على الابداع ، حيث تكمن قوة المرأة فى قدرتها على التأثير والابداع بما لديها من ملكات فطرية تتمثل فى عاطفتها وقدرتها على القيادة عن طريق المثابرة والتفانى والصبر على تجاوز الظروف الصعبة دون حاجة إلى استخدام القوة أو الاكراه، وهو الامر الذى يصبح قوة دافعة للنمو الاقتصادى والاجتماعى ويؤدى بدوره إلى تحقيق الرخاء.
فقد أجريت دراسة على الشركات المتواجدة في قائمة (فورتشن 500 ) وهي قائمة سنوية تصدر عن مجلة فورتشن تضع ترتيبًا لأعلى 500 شركة أمريكية حسب إيراداتها) ووجد أن «الشركات التي تضم نساء أكثر في مجالس إداراتها تحقق عوائد مالية أكبر من غيرها وتضمنت الزيادة 53% في حقوق الملكية للمساهمين و42% في المبيعات و67% في رؤوس الأموال المستثمرة».
تجارب بعض الدول فى زيادة الناتج المحلى عن طريق دعم المشاريع النسائية :
– الهند
قطعت الهند شوطًا كبيرًا فى السنوات الاخيرة فى تعزيز دور المرأة في عملية التنمية، فوفقاً لتقرير McKinsey Global، فمن المتوقع أن مشاركة المرأة فى العمل فى الهند قد تضيف 700 مليار دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، حيث أن عدد السكان في سن العمل فى الهند سيتجاوز مليار شخص بحلول عام 2030، وحصة النساء المتوقعة وفق نسبة العمالة بين الجنسين ستكون بحدود 400 مليون وظيفة، وهو ما يشكل تحديًا كبيرا فى السنوات القادمة للهند.
ومن الجدير بالذكر، أنه في عام 2019 فازت الدكتورة كالبانا سانكار، العضوة المنتدبة لمنظمة هاند إن هاند في الهند، بجائزة الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة العالمية بالبحرين لتمكين المرأة في فئة الأفراد، حيث تمكنت الدكتورة سانكار من خلال مبادرتها من تدريب حوالي 30 ألف شخصًا أغلبيتهم من النساء في مجموعة من البرامج لتشجيع النساء على القيام بمعاملاتهن المالية من خلال هواتفهن في 13 مقاطعة في الهند في عامين فقط .
– بنغلاديش ( تجربة بنك جرامين )
اسسه محمد يونس فى السبعينيات،ويعد من اشهر الاقتصادين فى العالم والحاصل على جائزة نوبل للسلام ، إذ نجح فى انشاء وتأسيس بنك “غرامين” أو كما يطلق عليه ( بنك الفقراء) الذي يهدف إلى الحد من الفقر من خلال توفير قروض صغيرة للفقراء من دون ضمانات مقابل مدة سداد طويلة، اكتشف حينها أن القروض الصغيرة جدا يمكن أن تحدث فارقا لهؤلاء الفقراء، خاصة لما وجد أن مجموعة من النساء يصنعن من الخيزران أثاثا، بالاعتماد على القروض لشراء المواد الخام، وهو ما أثر على أرباحهن. فكان نحو 98% من المقترضين نساء، وأثرت هذه القروض على حياتهن وحسنت ظروف عيشهن.
– رواندا
بعد انتهاء الحرب الأهلية والابادة الجماعية التى تعرضت لها رواندا عام 1994م كانت رواندا في حاجة لإعادة إعمار شاملة في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لعلاج الآثار التي خلَّفتها الحرب الأهليه، فكان هناك نقص كبير فى القوى العاملة الذكورية، فمعظم القتلى كانوا من الرجال، وكانت النتيجة أن حوالي 70% من السكان في مرحلة ما بعد الحرب كانوا من النساء، حينها تحمَّلت النساء الأعباء، ولعبن أدوارًا متعددة في بناء السلام وتحقيق التنمية، وقد حقَّقت رواندا تقدمًا ملحوظًا في معدل النمو الاقتصادي بلغ حوالي 8.2% في عام 2023م، كما أنها أيضًا واحدة من الدول الإفريقية القليلة التي استطاعت تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية بخفض نسبة الفقر المدقع إلى النصف منذ عام 2015م، ولديها أعلى نسبة لتمثيل المرأة في البرلمان على مستوى العالم؛ حيث تحوَّلت رواندا من دولة كانت تعامل المرأة كالمتاع والممتلكات وتختزل وظيفتها الأساسية في إنجاب الأطفال إلى دولة تنص دستوريًّا على ضرورة شغل النساء نسبة 60% من مقاعد البرلمان لضمان مشاركتهن الكاملة في الحياه السياسية والاجتماعية.
كما دعمت الحكومة المشاريع النسائية فى مجالات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، مما ساعد على تحقيق نمو اقتصادى سريع .
– الصندوق الدولى للتنمية الزراعية
اشار إلى أن الاستثمار في المرأة هو أضمن سبيل لتحقيق الرخاء – وعالم خال من الجوع ،وأن سد الفجوة بين الجنسين في الزراعة سينتشل 45 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. وعندما تُمكّن النساء الريفيات، تُمكّن أسرهن ومجتمعاتهن أيضًا. وأن فوائد زيادة الاستثمار في المرأة قد تكون ضخمة، إذ تظهر الأدلة أن سد الفجوات بين الجنسين يمكن أن يعزز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20%، وأن يخلق ما يقرب من 300 مليون فرصة عمل في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2035.
التحديات وسبل المواجهة
لطالما أدت المرأة دورا محوريًا فى بناء وتشكيل المجتمعات على مر العصور، واصبح الاستثمار فى المرأة وتمكينها اقتصاديًا هو كلمة السر لاحداث نهضة شاملة فى كافة القطاعات، إلا أن اغلب الدول النامية مازالت تعانى من الكثير من التحديات فيما يتعلق بتمكين المرأة بسبب المعوقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فى تلك الدول .
وللوصول إلى مجتمع يعزز دور المرأة بما يمكن من اعداد رائدات اعمال، لابد من تضافر العديد من العناصر أهمها:
1- الدعم المالى
وهو يتطلب اتاحة قروض طويلة الاجل بدون فوائد، وذلك للتشجيع على بدء المشاريع الصغيرة دون خشية التعثر أو تراكم الفوائد وعدم القدرة على السداد .
2- تدريب المرأة
فمجرد الدعم المالى للمشروع غير كافى، فلابد من التدريب والانخراط فى سوق العمل حتى يمكن للمشروع الانطلاق وأن يرى طريقه إلى النور.
3- بناء مهارات ريادة الاعمال
وهو مايتطلب المساعدة والتدريب على المهارات الاساسية مثل : التخطيط وإدارة المشاريع وكيفية توليد فكرة مشروع ناجحة، اعداد خطة عمل تتضمن دراسة السوق والتمويل والتشغيل، بناء المهارات المالية المتمثلة فى كيفية اعداد ميزانية وادارة الارباح والخسائر والالمام بمصادر التمويل المختلفة ( قروض – منح- استثمارات ).
4- التسويق وبناء العلامات التجارية
وهو مايتطلب الالمام باساسيات التسويق الرقمى عبر منصات التواصل الاجتماعى ، وكيفية تصميم شعار وهوية بصرية للمشروع، والتسويق للمحتوى وجذب العملاء.
5- محو الامية الرقمية
والمقصود بها القدرة على استخدام التقنيات الرقمية الحديثة بشكل فعال بما يخدم مشاريعهن، باستخدام الهواتف الذكية والانترنت والبرمجيات المختلفة ، بحيث يمكن تشجيع النساء على القيام بمعاملاتهن المالية من خلال هواتفهن بسهولة وامان.
6- التوجيه والاشاد
وهو مايتطلب متابعة تلك المشاريع بعد بدء العمل من اجل ضمان الاستمرارية عن طريق تقديم الدعم والارشاد عن طريق ربط النساء برواد اعمال ناجحين لتوجيههن، وتقديم استشارات فردية حول التحديات التى يواجهنها.
وفى الختام ، ونظرا لاهمية التمكين الاقتصادى للمرأة فان العديد من الدول اصبحت تسارع فى تطبيقه كفلسفة حديثة واداة تساهم بفاعلية فى تحقيق التنمية المستدامة فإذا ما استطاعت النساء تسخير المعرفة والمهارات التي يمتلكنها في وظائفهن فإنهن حتمًا سيساهمن في ازدهار الأعمال بما يعود بالنفع على الاقتصاد القومى.













